الجصاص

32

أحكام القرآن

ذلك إخبار منه بإرادة سفر الحج في قوله : " لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرم " . والثالث : أمره إياه بترك الغزو للحج مع امرأته ، ولو جاز لها الحج بغير محرم أو زوج لما أمره بترك الغزو وهو فرض للتطوع ، وفي هذا دليل أيضا على أن حج المرأة كان فرضا ولم يكن تطوعا ، لأنه لو كان تطوعا لما أمره بترك الغزو الذي هو فرض لتطوع المرأة . ومن وجه آخر ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأله عن حج المرأة أفرض هو أم نفل ، وفي ذلك دليل على تساوي حكمهما في امتناع خروجها بغير محرم ، فثبت بذلك أن وجود المحرم للمرأة من شرائط الاستطاعة ، ولا خلاف أن من شرط استطاعتها أن لا تكون معتدة ، لقوله تعالى : ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ) [ الطلق : 1 ] ، فلما كان ذلك معتبرا في الاستطاعة وجب أن يكون نهيه للمرأة أن تسافر بغير محرم معتبرا فيها . ومن شرائطه ما ذكرنا من إمكان ثبوته على الراحلة ، وذلك لما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا موسى بن الحسن بن أبي عباد قال : حدثنا محمد بن مصعب قال : حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس : أن امرأة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، فقالت : يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه ؟ قال : " نعم حجي عن أبيك " . فأجاز صلى الله عليه وسلم للمرأة أن تحج عن أبيها ، ولم يلزم الرجل الحج بنفسه ، فثبت بذلك أن من شرط الاستطاعة إمكان الوصول إلى الحج . وهؤلاء وإن لم يلزمهم الحج بأنفسهم إذا كانوا واجدين للزاد والراحلة ، فإن عليهم أن يحجوا غيرهم عنهم ، أعني المريض والزمن والمرأة إذا حضرتهم الوفاة فعليهم أن يوصوا بالحج ، وذلك أن وجود ما يمكن به الوصول إلى الحج في ملكهم يلزمهم فرض الحج في أموالهم إذا لم يمكنهم فعله بأنفسهم ، لأن فرض الحج يتعلق بمعنيين : أحدهما بوجود الزاد والراحلة وإمكان فعله بنفسه ، فعلى من كانت هذه صفته الخروج . والمعنى الآخر : أن يتعذر فعله بنفسه لمرض أو كبر سن أو زمانة أو لأنها امرأة لا محرم لها ولا زوج يخرج معها ، فهؤلاء يلزمهم الحج بأموالهم عند الإياس والعجز عن فعله بأنفسهم . فإذا أحج المريض أو المرأة عن أنفسهما ثم لم يبرأ المريض ولم تجد المرأة محرما حتى ماتا أجزأهما ، وإن برئ المريض ووجدت المرأة محرما لم يجزهما . وقول الخثعمية للنبي صلى الله عليه وسلم : " إن أبي أدركته فريضة الله في الحج وهو شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة " وأمر النبي صلى الله عليه وسلم إياها بالحج عنه ، يدل على أن فرض الحج قد لزمه في ماله وإن لم يثبت على الراحلة ، لأنها أخبرته أن فريضة الله تعالى أدركته وهو شيخ كبير ، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم قولها ذلك ، فهذا